رحلة في البرية – الجزء الرابع – اليوم 46

وإذا بي استيقظ من النوم على صوت الرعد. السماء مليئة بأضواء مُرهِبَة. فأنا اؤمن بأنّ السماء دائماً تتحدث من خلال سُحُبِها وبروقها، وتتحدث بروعدها وأمطارها. ماذا تريدين أن تقولي يا أيتها السماوات؟ ها أنا ذا أميل أذني لكي أسمع. فالتتحدثي. أخبريني بما يدور بداخلك. أخبريني بما يدور بداخله، جابلُكِ وجابِلِي. ذاك الذي وجدني في أرض قفر، وفي خلاء مستوحش خرب. أحاط بي ولاحظني وصانني كحدقة عينه. أسمع صوته يتردد بداخلي “لا تخف ولا تتلفت، فأنا معك. أنا هو المُمسِكُ بيمينك، وبذراع قوتي أحميك.

يا ترى إلى متى يا أيتها السماء سأبقى في البريّةِ؟ إلى متى سيظل هذا اﻷلم بداخلي يصاحبني؟ تعلمت خلال أيامِ البريّةِ أن أتعايش معه. فهو لا يستنزفني بعد اﻵن كما قد كان يفعل. ولكنه موجود، ويألمني أوقاتاً كثيرة. فأنا اصبحت أشغل يومي بأشياء كثيرة لكي استطيع أن أتحمله. صوتكِ يا أيتها السموات يعزيني. نسمات الرياح تقويني وتنعشني. وكالنسر يجدد صوتُكِ قوتي. أسمعي يا أيتها السماوات! أسمعيني جيداً! أسمعي ما يقوله قلبي، فقد نفذت مني الكلِمات.

كثيراً ما أريُد أن أهرب، ولكن إلى أين؟ فإذا صعدت إلى أعلى الجبال فأنت هناك. وإن نزلت إلى الهاوية، فها أنت! ولكن مما أريد أن أهرب؟ أمِنَ اﻷلم الذي بداخلي؟ لن أهرب منه ابداً. فسيصاحبني حتى ينتهي وقت اﻹنتظارِ. أمام هذا المذبحِ أسجد منتظراً. أتَشَمِّينَ رائحة السرور؟ فها هو قلبي ولؤلؤتي على المذبح أقدمهما ذبيحة له. فهما ملكُاً له، لا ملكي أنا.

آه! يمكنني سماع صوت الطيور تغني. سأغنّي معها مسبحاً إياك. فقلبي يحدثُني مخبّراً إيايَّ بأنَّ تلك ليست النهاية. أعلم هذا. فعليك سأتكّل بكل قلبي، وعلى فكري لن أعتمِّد.

-- الـ Cover من تصميم المبدع David Selim

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *