رحلة في البرية – الجزء الثالث – اليوم 43

اليوم هو اليوم الثالث واﻷربعون في البريّةِ. أفتقدُ المنزل كثيراً. ها أنا ذا أجلس وأراقب أمواج البحر وهي تتضارب وتزأر صارخةً، تنطق بما لا يمكن أن ينطق به الشفاه. تنطق بصرخات مدفونة بداخلها.

تبقى لي بضعة شهور قليلة لكي أُكمِلَ عامي الثالث والعشرون. أشعر بالحزن الشديد وخيبة اﻷمل، فأنا أشعر بأنّي لم أحقق شيئاً قط. أنا حتى لا أعلم ما أحب أن أفعله، أو بمعنى آخر لا يمكنني فعله. مللت كثيراً أن أكون وحدي. فأنا يشوعاً بلا موسى، وموسى بلا هارون – تلميذ بلا معلم. ألم تقل لي أنّك سترسل لي موسى؟

مللتُ أيضاً السير في دوائر مفرغة. فأنا تائه في البريّةِ محاولاٍ الوصول إلى أرض الموعد. أفعلت امراً خاطئاً لكي اصبح تائهاً كما فعل آخرون؟

لقد اعطيتني أحلاماً وأموراً لأحققها، ولكن تقريباً نسيت أن تخبرني كيف أحققها!

أخاف أن أتبع صوتك مجدداً. فآخر مرةٍ تتبعت صوتك ومشيت وراءه، لم تتحقق اﻷحلام والوعود. عقلي يشكُ فيما قد سمِع منكَ، ولكن قلبي يثق. فأنا كخروف يعرف ويميز صوت راعيه. وكحمامةٍ لم أفقد رؤيتي لك.

ها أنا ذا، كرقعة شطرنج فقدت كل تحركاتها، لا تعلم كيف تسير وإلى أين تذهب.

مَلَلتَ السيرُ وَحدِي.

لماذا تشك فيما تسمع وفيما ترى؟ لماذا دائماً تنسى من أنت؟ لماذا ﻻ تستخدم سلطانك؟ فأنا منذ البدءِ أعطيتك سلطاناً أن تشرق نوراً من ظلمة! وعندما فقدته، أتيت بنفسي واسترددته وأعتطيته لك. ﻻ، بل أعطيتك سلطاناً أقوى! رحلة في البرية – الجزء الثاني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *