اليوم الـ 90 – في برية مملكة الرماد

“هل تعلَمتَ أن تُحِب؟”

ما زال السؤال يتردد بداخلي. فمنذ عشر أيام، مروا عليَّ كأنهم مئة عام، تم سؤالي هذا السؤال. من كان هذا الرجل الذي قابلته.

“يا فتى! ماذا تفعل!” صرخت منادياً على ولدٍ، يبدو في الحادية عشرة من عمره … يقف على المنحدر، ويبدو أنّه سيسقط. “يا ولد! ابتعد عن الحافة! ستسقط!” ركضتُ نحوه. نظر إليّ، وتجمدت في مكاني. فأنا أتذكر هذا الفتى. إنه الفتى الذي قابلته منذ بضعة أسابيع.

أكملتُ الركضَ نحوه، وشددته من يده. يبدو أنّه كان سيحاول أن يقفز. “هل جُننت! أتحاول أن تقتل نفسك!” صرختُ فيه. عيناه تلمعا بشدة من الدموع المحبوسة في عيناه.

“نعم …” قالها الفتى، وحال الصمت لوقت. جلسنا تحت شجرة لكي نستظل تحتها.

بعد مرور بضعة دقائق، نظرت إليه سائلاً “من أنت؟” … “أﻻ تعرفني؟” سؤاله جعل ضربات قلبي تتسارع مع صوت الشلال الذي بجانبنا … “أمِن المفترض لي أن أعرفك؟” أنا أعلم أنّي أعرفه، ولكن ﻻ أعرفه. أتعرف هذا الشعور عندما تقابل شخص ما، تشعر بأنَّك قد قابلته من قبل، ولكنك تقابله ﻷول مرة في حياتك. نظر لي ولم يجاوبني، يبدو العبوس في وجهه. “لماذا حاولت أن تقفز؟ لماذا تحاول أن …” سألته والكلمات هربت من فمي. “أن أقتل نفسي؟” مكملاً هو سؤالي، ناظراً لي بدموع تمليء وجهه. يبدو أنّه سار في جحيماً لتوه.

“منذ أن ولِدتَ، وأنا أبحث عن أبي. منذ أعوام كثيرة أبحثُ عنه. سألتُ الكثير عنه، وكانوا جمعيهم يحكون لي قصصاً عنه، ويقولون لي أين أجده. ولكني لم أجده في أي مكان من اﻷماكن التي وصفوها لي. ومنذ خمس أعوام، وجدته أخيراً، أو باﻷحرى وجدني هو. ومن وقت قريب، أختفى مرةً أُخرى. فأنطلقت باحثاً عنه من جديد، ولكني لم أجده حتى اﻵن.”

“خمس أعوام؟ كم عمرك اﻵن؟”

“عمري الكثير. فأنا عشتُ ما يكفي. لقد تَعبتُ من الركض. تَعبتُ حقاً من الركض. وأشعر بأنّي لن أستطيع التوقف عن الركض. فأنا سأركض حتى اﻷبديّة. حتى عندما كان أبي موجوداً، كان يقول لي دائماً بأنّه ليس عليَّ أن أركض، ولكنّي تابعتُ الركض، فقد كان عليَّ ذلك. فإذا لم أركض، سيقتلني هذا العالم بدون رحمةٍ أو شفقةٍ. وسأخسر كل شيء.

أتعلم، لولا أنّك قمت بشدي من حافة المنحدر، لكنت قد قفزت وأنهيت معاناتي. أتمنى فقط لو يمكنني أن أجدُ سبباً واحداً يجلعني أُكمِل الركض. فأنا أركض بدون هدف. كان هدفي في اﻷول أن أجد أبي، ولكن بعدما وجدته، ﻻ أعلم ماذا أفعل اﻵن.

سئمتُ من كوني معطوباً، مكسوراً، غير قابل للتصليح. أشعرُ كأنّي أسير للوراء لا للأمام. فمنذ خمسة أعوام، عندما قابلت أبي، دبَّت في الحياة، ونبض قلبي من جديد باﻷمل. ولكن اﻵن أشعر بأنّي رجعت للوراء جداً إلى لحظة ما قبل مقابلة أبي. أحياناً كثيرة جداً في يومي، أشعر بنيران في صدري وقلبي. ليست نيران مؤذية، بل نيران محبته.

أريد أن أهرب من الجميع. أن أهرب من أصدقائي. أريد أن أختفي لقليل من الوقت … بل أريد أن يحتضنني الجميع. ﻻ أريدُ أن أبقى وحدي.”

“ﻻ تقلق، أنا معك” ناظراً له مخبراً إياه بأنّي سأكون معه.

“ﻻ لن تكون معي. ﻷنك دائماً تتركني.”

“أترُكّك؟ هل أعرفك؟”

“لماذا أنقذتني؟ فأنت تعلم جيداً بأننا نريد أن ننهي هذه المعاناة.”

صدمتني جملته اﻷخيرة. كيف عَلِم بأنه تجيئني تلك الفكرة من جديد. أمره غريب هذا الفتى. يا تُرى من هو. “ﻻ أعلم كيف لم اسألك هذا السؤال، ولكن ما أسمُك؟”

“أسمي؟ أملك الكثير من اﻷسماء في عالمٍ يحكُم على الشخص من اسمه. فكما تعلم، من الممكن أن يكون للشخص الكثير من اﻷسماء وأكثر من هوية. أسمي ﻻ يهُم اﻵن. ما يهُم هو: ما هو أسمُك؟”

“ماذا تقصد؟” سألته مندهشاً. يا له من مكان غريب … البرية! … هل من الممكن أنّي أُهلوِّس وبدأت أفقد عقلي!

“أتعلمتَ أن تُحِب!” سألني الفتى ممسكاً يداي المبلولتان من دموعه التي لم تتوقف.

“من أنت!” سألته صارخاً فيه.

“أنا هو … أنت.”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *