اليوم 80 – في برية مملكة الرماد

الجو أصبح حارٌ جداً هنا. اليوم هو اليوم الثمانون في البريّة وها أنا ذا أسير في طريق مشهور يستعمله التجار للسفر من مدينة إلى أخرى. “إلى أين أنت ذاهب؟ يمكننا أن نقِّلَك!” أنظر إلى مصدر الصوت … رجل عريض جداً، وطول قامته في مثل طول قامتي تقريباً. أسمر بعض الشيء. يوجد على وجهه النمش. لكنّة صوته ليست غريبة عنّي. “هل أنت من مملكة الرماد؟” سألته مستنكراً، فصوت لكنته تؤكد لي هذا. “نعم، كيف عرفت؟” تخمنيني كان صحيح، فأنا عشت أيامً كثيرة في المملكة. “مجرد تخمين ليس أكثر. هل أنت ذاهب إلى هناك؟” … “نعم يا سيدي، يمكنك مصاحبي إلى هناك ولن آخذ منك أي مقابل.” … “حسناً جداً. سأريدك أن تنزلني قبل المملكة بقليل.” … “في البريّة؟” قالها بإستنكار وإستعجاب. نظرته لي بها قليل من السخرية وكثيراً من الخوف. فهناك الكثير من اﻷساطير أنّها تلك البرية هي ذاتها التى جرَّب فيها الشيطان يسوع المسيح. “نعم، أريد أن تنزلني في بريّةِ المملكة.”

وصلنا إلى البريّةِ بعد مرور يومان سفر. أنزلني الرجل الذي عرفت أنّ أسمه هو “فِلَسطي.” أسماء رجال المملكة غريبة حقاً، لذلك لم أستعجب عندما قال لي أسمه. ودّعني الرجل كأن تلك هي آخر مرة سيراني فيها.

ظللت أسير لبضعة ساعات أفكر فيما يحدث داخلي. فأنا أتصارع مع الخوف الذي لا يمكنني أن أراه. آه لو كان الخوف متجسداً أمامي، لكنت قتلته. ولكن مما أنا خائف؟ سؤال أبحث عن إجابته وأجد الكثير من اﻹجابات، ولكن ولا واحد من تلك اﻹجابات هي اﻹجابة الصحيحة. هل أخاف أن أخسر؟ ﻻ فأنا بالفعل خسرت كل شيء ولا أملك أي شيء، وما أملكه حالياً، ليس ملكي من اﻷساس. هل أخاف الوِحدة؟ ايضاً لا، فكيف أكون وحيداً وانا اﻵن معي البستاني وملوك كُثُر من الممالك التي من حولي يزورونني. هل أخاف أنا أفقدها؟ اللؤلؤة؟ ربما، ولكن إنها ليست ملكي لكي أخاف فقدانها، كما أنا ايضاً لست مُلكُ نفسي لكي أخاف فقدان نفسي.

نعم أنا اصارع مع الفشل، فأنا أشعر بأنّي لم أحقق أي شيء. أتذكر آخر مرة أتيت فيها إلى تلك المملكة. كانو يحتفلون برواد اﻷعمال وبأصحاب المشاريع وبهؤلاء الذي حصلوا على الكثير من الفرص وحققوا الكثير من اﻷموال. فتلك هي صورة العالم للرجل الناجح. تلك الصورة أشعر أنّي فشلت في تحقيقها. وبهذا أصارع مع فكرة أنّي لست بكافٍ، وأنّي فاشل ولم أحقق شيئاً.

“هل يمكنني أن اسألك سؤالاً؟” … “من أنت؟” سألتُ صاحب السؤال. ﻻ أعلم من أين جاء هذا الرجل. رجلٌ كبير في السن، يبدو أنّه في العقد اﻷخير من عمره. شكله مألوف، ومع ذلك لا أعرفه. “هل أعرفك يا سيدي؟” سألته. “ﻻ، أنت لا تعرفني، ولكن أنا أعرفك جيداً.” فاجئتني إجابته. جاءت في عقلي فكرة ساخرة جعلتني أضحك بدون قصدٍ: “هل من الممكن أن تكون اﻷسطورة صحيحة وهذا هو الشيطان؟” … “ﻻ لستُ الشيطان!” فاجئتني إجابته وجعلني أرتاب في نفسي قليلاً. فمن هو هذا الذي قد قرأ أفكاري للتو! من هو هذا الرجل!

“من أنت يا سيد؟” سألته متمنياً أن أعرف … “هذا لا يهم، ما يهم هو سؤالي الذي أريد أن اسأله.” نظراته تشع نوراً كأن عيناه عبارة عن قرصيّ الشمسِ. صوته يبدو كصوت الرعد. “حسناً، ما هو سؤالك؟” نظر لي الرجل وأشعر بأن نظراته اخترقت كل دفاعاتي وأسواري، أشعر كأن كل أفكاري عاريّة أمامه. لم أشعر بهذا من قبل سوى مع البستاني، ولكن من هو هذا الرجل؟ من أين جاء؟

“هل تعلَمتَ أن تُحِب؟”

تجمدت الدماء في عروقي، واستطيع أن أشعر بأن جسمي كله يرتعش. الكون كله يقف في ثبات تام من هول السؤال. يبدو سؤالاً عادياً بسيطاً، ولكن لماذا يجعلني أشعر بهذا. إنّي أشعر بالـ …. بالخوف!! هل أنا أخاف أن أحب؟ هل تعلمتُ الحُب؟ وما معنى هذا السؤال اصلاً! يا إلهي، لماذا تجمدت أفكاري هكذا. هل تعلمت أن تُحب … يتردد صوت السؤال بداخلي.

“ايمكنك أن تشرح أكثر؟” … سألت السؤال ملتفتاً نحو الرجل، ولكن … إلى أين ذهب! كيف يتركني هكذا مع مثل هذا السؤال. ألتفتُ حولي باحثاً عنّه ولكنّي لا أجده.

“هل تعلَمتُ أن تُحِب؟”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *