البستاني – الجزء الخامس

أتذكر عندما قفزت من أعلى الجبل لمواجهة الظلام الذي اقتحم كل ما في المشهد. آملاً أن أستطع مواجهته، باحثاً عن البستاني، باحثاً عن النار التي أُطفئت، عن الحياة التي بدأت بالموت عن الحياة.

وإذا بي غارقاً بالظلام، ارتطم بالأرض، واجداً نفسي أمام باب القلعة. غير عالم كيف جئت إلى هنا. وجدت آثار أقدامٍ على الأرض. آثار ليست بغريبة عنّي. إنها آثار البستاني. ركضت مهرولاً متتبعاً الآثار لأجده جالساً في المكان المفضل لنا، يشوي أكلته المفضلة.

جلسنا لساعات لا نتحدث، فقط ننظر إلى البحر والسماء، ونأكل السمك الذي كنت نسيت كيف كان طعمه. فهو أفضل من رأيت يشوي سمكاً.

وإذا بي نظرت إلى عيناه التي تلمع بنارٍ لا تنطفيء، سائلاً إياه “لماذا رحلت؟! لماذا تركتني بمفردي؟ لماذا انطفئت النيران بداخلي؟! ولماذا تهدمت قلعتي؟! انت رحلت وتركتني وحدي وسط حطام الأساسات التي بنيناها سوياً!! لماذا؟ ومن أين جاء كل هذا الظلام؟ ألم نهزم الظلام في الموت من قبل؟ ألم نقل ليكن نور، وأن النور أشرق من وسط الظلمة مرةً من قبل!

وأنهالت عيناي بالدموع، مخبراً كل ما بأحشائي تجاهه، مكتشفاً كل المرارة التي بداخلي تجاهه.

لم يجب على اي سؤال، فقط ظل يكتب بإصبعه على الأرض.

“ألم نتفق أن نسير سوياً؟” قالها بحزن وحب شديد ناظراً، ناظراً إلى عيناي، واضعاً يديه على قلبي .. “لماذا فقدت ثقتك؟ .. أنا لم أرحل قط، أنت فقط من فقد القدرة على الرؤية .. أعميت نفسك بنفسك .. هدمت نفسك بيدك .. كسّرت أساسات القلعة بجهلك .. ألم نتفق على أن نبني القلعة سوياً؟ ولكنك بجهل ظننت أنّي سأرعاها بمفردي! ألم نتفق أن نرعاها سوياً، أن نكون شركاء في كل شيء.”

انهالت دموعي، وفكرت في أن أركض بعيداً عنه .. امسك بيداي زائراً كأسدٍ غاضب وبغيرةٍ قاسية “لا! لن نركض بعد الآن! سنواجه كل ما بداخلك سوياً! سنواجه الظلام سوياً! فقط ثق فيَّ، وثق في نفسك، ولا تكرهها! بسبب كرهك لنفسك، كرهتني أنا ايضاً .. ألا تدرك بعد؟ فأنا أنت، وأنت أنا! .. من اليوم الذي قررنا أن نشارك بعضنا البعض في كل شيء، يوم قررت أن تتبعني، أصبحنا واحداً! .. شركاء في كل شيء ..”

“لا بأس أن تخسر كل شيء، سنبدأ من جديد .. لا بأس إذا انهدم كل شيء، سنبني من جديد .. لا بأس إن فقدت نفسك، سنجدها .. تذكر، لا تحدث القيامة بدون الموت. وإذا لم تمت، لن تقوم! الحياة تبدأ بالموت .. يجب أن تسقط كل الأقنعة وأن ترجع عارياً من جديد .. يومها ترى كل شيء بوضوح الشمس .. طوبى للمساكين، فهم يرون كل شيء ويختبرون كل شيء ويدركون كل شيء” …… “لا تقتل مشاعرك، فهي مجرد إظهار من إظهارات الحياة، فإذا قتلتها، قتلت الحياة معها.” ….

ثم نظر إلى القلعة، مشاوراً على منارة النور المشتعلة بنار من المفترض ألا تنطفئ .. وقال: “عندما تقتل الحياة التي فيك، تقتلني معها، مطفئاً المنارة .. دع الحياة تسري فيك ولا تخاف منها .. أعلم أنك غاضباً مني، ولكن لا تدع غضبك هذا يقتل الحياة التي فيك .. فالنتحاجج ونتناقش”

فتح يده منتظراً مني أن أمسكها قائلاً “ثق في، وامسك بيدي، وهيا لنقفز، هيا لنكتشف الحياة”

امسكت بيديه، وإذا بصوت يصرخ قائلاً “ليكن نور!”

For the Light shineth in the darkness, Let there be Life

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *