البستاني – الجزء الثاني

ورحل الملك. ترك كل ما له. وترك في قلعته منارة النور التي من المفترض الا تنطفيء. ذهب باحثاً عن صاحب المنارة. لأنّ الغير متوقع قد حدث. عندما تزلزلت كل الأساسات، بدء النور ينطفيء، وبدأ الظلام يتغلل الى القلعة. رحل الملك آملاً أن يجد الإجابات. رحل الملك باحثاً عن البستاني الذي كان يرعى قلعته. رحل الملك مفتقداً كل ما كان.

واذا بسائر في الطريق قابله، وأخبره .. أخبره أنّ الظلام الذي بدء يتغلغل إلى القلعة ليس بجديد. فالظلام هذا كان دائماً موجود. وأخبره السائر بأنّه لم يواجه الظلام يوماً، ولكنه ظل يهرب منه دائماً. وقد غلب الظلام القلعة بكل النور الذي كان موجود بسبب الهروب الدائم. وتركه السائر بعد ما اخبره، ورحل الملك.

رحل وهو يفكر في هذه الكلمات المخيفة. فكيف كان كل هذا الظلام بموجود داخله. ألم يختفي كل هذا الظلام عندما جاء البستاني. ولماذا لم يخبره البستاني بوجود هذا الظلام في قلعته. أكان هذا موجود في الغرفة التي كنت اخاف منها دائماً؟ كيف يمكنني أن اغلب الظلام!

وإذا بسائر في الطريق قابله، وأخبره .. أخبره أنّه يجب عليه اولاً ان يكتشف ما هو هذا الظلام .. ما يعنيه .. ما وراءه .. ومن أين جاء. وتركه السائر بعد ما اخبره، ورحل الملك.

“الظلام .. من أين جاء الظلام؟” بدء يفكر الملك وهو يجلس على صخرةٍ وسط البريّةِ، وهو ينظر إلى نور النجوم، متمنياً أن تقترب منه نجمةً بنورها فتضيء حياته وقلعته. اصوات عقله بدأت تعلو على صوته وسط الصمت القاتل. فالبرية كانت صامتة بشكل غريب ومظلم. فالظلمة كانت كل المشهد.

“ألن تشرق الشمس علينا؟” بدء يفكر .. وتبدو أنّ الشمس لم تشرق منذ ايام.

بدء ينقب بداخله، ويبحث عن كل ذكرى مرتبطة ببدء ظهور الظلام، متمنياً أن يعرف مصدرها. “الوحدة!” قالها وهو يصرخ في الظلمة. فالظلمة تمثل له أن يكون وحيداً لا يراه أحد. بل الظلمة تمثل له أن يفقد كل ما هو مرتبط بالنور. وتذكر بأنّه كان وحيداً في قلعته منذ سنوات عديدة. نعم، كان لديه اصدقاء يزورونه كل حين، وكان هناك البعض من يقيم معه أيام ثم يرحل، ولكن لا عائلة!

لقد ظنّ بأنّه قد أصبح لديه عائلة، ولكن يبدو أنّه لم يؤمن بهذا من داخله. ويبدو أن ظلمة الوحدة لم تتركه يوماً. وتلك الظلمة كانت تزداد كل يوم. ولكنه لم يكن، فقد كان البستاني دائماً معه. ألهذا رحل البستاني؟ لأنّه بالرغم من وجوده لم يستطع أن يتغلب على ظلمة الملك، لم يستطع التغلب على وحدته. ولكن .. حاشا! ..

وقرر الملك أن يحتضن ظلمته. وإذا بريح عاصفة، وبألسنة نار من السماء، ترسم الطريق إلى قلعته لكي يعود. ولكنه لم يعد. ورحل الملك. رحل محتضنا ظلمته آملاً أن يواجهها. بحثاً بداخله عن شعلة النار التي لا تنطفيء. رحل في ظلمة البريّة.

ورحل الملك آملاً أن يكون نوراً.

Let there be Light!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *